أبو الليث السمرقندي
515
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني : استكبروا عن قبولها . ويقال : عن النظر فيها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لأعمال الكفار أي : ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب السماء ويقال : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا . وقال بعضهم : أبواب السماء أي أبواب الجنة وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ أي لا يدخلون الجنة أبدا كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة . وروي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه سئل عن الجمل . فقال : زوج الناقة . وقال الضحاك : الجمل الذي له أربع قوائم . وقال بعض الناس : الجمل هو أشتر بالفارسية وقال الحسن : هو ولد الناقة وروي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قرأ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ بضم الجيم وتشديد الميم وهو حبل السفينة الغليظ . وسئل عكرمة عن قوله : حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ قيل : وما الجمل ؟ قال : الحبل الذي يصعد به النخل . قال سعيد بن جبير هو حبل السفينة الغليظ . قرأ أبو عمرو لا تفتح بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف . وقرأ الباقون بالتاء المشددة . فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب . ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم . ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح . ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة وقرأ بعضهم في سمّ بضم السين وهي قراءة شاذة وهما لغتان قال أبو عبيدة : كل ثقب فهو سم . ثم قال عز وجل : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي هكذا نعاقب المشركين . ثم ذكر ما أوعدهم في النار فقال عز وجل : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي : فراش من النار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أي يغشاهم النار من فوق رؤوسهم ومعناه : أن من تحتهم نارا ومن فوقهم نارا . كقوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] ويقال : لهم من جهنم مهاد أي حظهم من جهنم كالمهاد ، فأخبر عن ضيق مكانهم في النار وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نعاقب الكافرين . قوله عز وجل : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وذلك أن اللّه تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته . فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي : صدقوا وعملوا الصالحات أي الطاعات والأعمال الصالحة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي : لا نكلف نفسا بعد الإيمان من العمل إلا بقدر طاقتها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يعني : دائمون . ثم قال عزّ وجل : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال بعضهم : أي في الدنيا أخرج اللّه تعالى الغل والحسد من قلوبهم ، وألف بين قلوبهم كما قال اللّه تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ